المسألة المسيحية المشرقية "كلنا في الهم شرق"

المسألة المسيحية المشرقية "كلنا في الهم شرق"

المسألة المسيحية المشرقية "كلنا في الهم شرق"

 

بقلم: سند ساحلية

يعد التنوع الديني والقومي والعرقي ثروة وقيمة مضافة في العديد من دول العالم، بينما في معظم دول الشرق يمثل هاجسا ومصدر قلق وتوتر وخلاف يستنزف طاقاتها وامكانياتها، ويتحول الى أداة في تأجيج الصراعات في المنطقة.

يختلف الناس في المعتقدات والأفكار والثقافات وغيرها من الأمور فالكون يعج بالتنوع، والإشكالية لا تكمن في وجود هذا التنوع والاختلاف، إنما في القدرة على تقبله والتعايش والحياة معه والتطور والازدهار في ظله.

لقد فشلت دول الشرق خاصة العربية، في تحويل هذا التنوع الغني الى قيمة مضافة ومصدر غنى لهذه المنطقة، فتعززت فكرة الأكثرية والأقلية وترسخ شعور المواطن انه من الدرجة الثانية او الثالثة، واصبحت التعددية بأنواعها مصدر خلاف وتناحر.

ان بلاد الشرق تضيق الان ببعض أهلها في ظل حالة من الانكار الشديد، كأن لا مشكلة! ومسيحيو الشرق ليسوا الوحيدين فيه الذين يعانون من تراجع مطرد في اعدادهم وانحسار في دورهم. ففي ظل انتشار التوترات المذهبية والإثنية والسياسية والنزاعات الانفصالية في الشرق التي تعمل فعلها على مبدأ قبول الاخر الذي أصبح استثناء، مما يجعل الشرق كاتما للتنوع.

المسيحيون في الشرق يمرون بمحنة ويواجهون تحديا جديدا قديما، يهدد مصيرهم ووجودهم، رغم انهم أبناء الأرض الاصليون وجزء اصيل من تاريخه ومستقبله، ليسوا وافدين او جاليات او مهاجرين ولا مرتزقة، وليسوا صليبيين غزاة ولا حلفاء للغرب ومشاريعه، وان حاول البعض استغلالهم، فالمسيحية هي أصلا مشرقية وليست غربية، ولون من ألوان لوحة فسيفساء الشرق وعلى المسيحيين وغيرهم ان يحموها.

ان تهجير وهجرة المسيحيين حالهم حال اي مكون من مكونات الشرق يؤدي الى "إفناء لعناصر التحضر والتنوع فيه، وسير حثيث نحو الانقراض"، وما بين نظرية الحضور ونظرية الدور، يداهم خطر كبير هذا الوجود الظاهر والفعال والمؤثر ويهدد باندثاره، لا بل يهدد مستقبل المسيحية في البلاد التي ولد فيها السيد المسيح، ومنها انطلقت إلى باقي بقاع الأرض. وهنا يبرز سؤال: من المسؤول، وهل الخاسر هم مسيحيو الشرق ام كل العرب؟

المسألة تكمن في المسيحيين أنفسهم، وان بقاءهم في الشرق مسؤوليتهم أولا؛ مسؤولية البقاء والصمود والحضور، فها هي المسيحية تكاد تنقرض من مهدها في الأرض المقدسة ومن عرشها في الشرق، وتعقد المؤتمرات والندوات وتصدر الكتب والدراسات والأفلام الوثائقية عنهم كأنهم بقايا سكان و"آخر الهنود الحمر" او فصيلة من الاجناس المهددة بالانقراض او مقتنيات متاحف. رغم أنهم أبناء الأرض الاصليون وجزء من تاريخه ومستقبله، وان القدس وبيت لحم وانطاكيا والرها ومعلولا ونينوى ومادبا والاسكندرية.. هي قلب المسيحية، وليس نيويورك وباريس ولندن، وهم ليسوا أقلية، فلا أحد أكثرية في هذه المنطقة، ومن هو أكثرية في مكان، هو أقلية في مكان اخر.

ان الاستعمار هو من رسخ مبدأ حماية الأقليات، لذلك ان كل نقاش حول مصير المسيحية او أي اقلية أخرى في الشرق، فيه مسؤولية عربية وإسلامية، ومطلوب من قياداتها واحزابها وتياراتها حتى الأصولية منها ونخبها ومؤسساتها الفكرية والتربوية والاجتماعية، حلول ومقاربات جديدة بعيدا عن الحلول السابقة من عصر الخلفاء او العثمانيين، وعلى قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات والمواطنة.

ان بقاء المسيحيين في الشرق خيار إسلامي بالدرجة الأولى، ففي الوقت الذي يشهد فيه الشرق العربي الكبير تحولات استراتيجية وسياسية كبيرة، تترافق مع تناقص مطرد لأعداد المسيحيين، الامر الذي يؤدي الى انعدام وجودهم في المنطقة ويقضي على الوجه المتعدد للشرق ويقضي على غناه الثقافي، سيزيد ذلك من الصورة النمطية عن الإسلام الرافض للآخر ويؤثر ليس فقط على هذه المنطقة بل سيرسخ "الاسلاموفوبيا" المتزايدة في الغرب.

ان الفكر العربي عامة امام تحد للإجابة على قضايا كثيرة مثل العولمة والتطور والهوية والتعددية، وان ينتج دينامية خلاقة في إدارة هذا التنوع ونهضة الفكر والدور، وهناك العديد من الإشكاليات المطروحة ومنها المسألة المسيحية.

اما الغرب فيتعامل مع موضوع الوجود المسيحي في الشرق بمكيال التجاهل احيانا والمتواطئ غالبا، وهو المسؤول عن اثارة النزاعات والفتن وزعزعة كيانات عربية ومسؤول مباشر عن دعم احتلال فلسطين وتهجير اهلها ومنهم المسيحيون، ولم يقدم لهم سوى تسهيل اصدار تأشيرات الدخول وتشجيع الهجرة والتهجير مكملا ما بدأت به التنظيمات التكفيرية والظلامية، وليس لديه أي اجندة عنوانها بقاء او وجود او حضور المسيحيين في الشرق.

ان ادعاء الغرب بحماية ورعاية الأقليات في الشرق او في أي مكان بالعالم، ومفاخرتهم بقيم العدالة والحرية والتعددية، لا يتحقق إلا من خلال دعم صمود وبقاء هذه الأقليات في اوطانهم وبين أهلهم وبيئتهم الاجتماعية والثقافية وبين أبناء شعبهم وشركائهم وخاصة بين اخوانهم المسلمين.

حال مسيحيو الشرق يقول ما قاله السيد المسيح عندما كان معلقا على الصليب: "يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 23:34)، ولم يقل "مغفورة لكم خطاياكم" كما كان يقولها قبل ان يعلق على الصليب.

هذا التعبير مناسب لموقفه معلقا على الصليب، بمعني انه عندما كان يقول: "مغفوره لك خطاياك"، كان يعلن عن لاهوته، بينما وهو على الصليب كان اثناء تنفيذ الفداء وقيامه بالدور الذي لأجله تجسد.

المسيحيون في الشرق قاموا بدور بارز وريادي في إطار مشروع النهضة في المنطقة منذ القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولهم مساهمات كبيرة في الحياة العامة السياسية والثقافية والاقتصادية، وجسدوا انتماءهم للوطن من خلال دورهم في التنمية والتنوير والثقافة والتعليم والنضال من أجل الحرية والاستقلال.

ان مسألة وجود المسيحية الشرقية في ظل احتلال فلسطين ووجود نزاعات مسلحة ودموية ووجود تيارات متطرفة ومتشددة تكفر المسلمين أنفسهم قبل غيرهم في المنطقة، يدفع للتساؤل عن مستقبلها فيها؟ ووجوب الاعتراف بهذه المسألة والبحث عن العوامل التي تساعد على الحفاظ على هذا الوجود في الشرق العربي الكبير المهدد بالفناء بحسب العديد من المراقبين خلال 40 الى 50 عاما القادمة، وقبل فوات الأوان وقبل ان يأتي الوقت الذي نطلب فيه المغفرة من مسيحيي الشرق، الذين تحملوا كثيرا حالهم حال المسيح كما تحمل من وقت تسليمه ومحاكمته وجلده ووضع اكليل الشوك علي راسه حتي وصوله الى الجلجثة وكل هذا قبل صلبه.

وأخيرا، من يريد ان يعالج هذه المسألة قيميا من اجل العدالة والمساواة، عليه ان يدرك ان مشكلة الأقلية هي مشكلة الأكثرية؛ لا يمكن ان تكون أكثرية متحررة ومتساوية في بلدها كمواطنين، إذا هناك اقلية ما لم تحصل على المواطنة.