قراءة أوليّة في إخفاق إستراتيجيّ

قراءة أوليّة في إخفاق إستراتيجيّ

بقلم: امير مخول

إخفاق جهاز الأمن الإسرائيليّ العامّ "الشاباك"، يعني بالمفهوم الإسرائيلي تحوُّلَ حدثٍ موضعيّ إلى حالة إرباك إستراتيجيّ. إنه تصدّع في الرّدع وإرباك إستراتيجيّ سياسيّ - أمنيّ، ومؤشّر على التصعيد العدوانيّ القادم في مسعىً لاستعادته، وربّما التقاط صورة انتصارٍ ما، ولن يكون مفاجئا أن تلجأ إسرائيل إلى تصعيد عدوانيّ شامل على الشعب الفلسطينيّ، أو إلى سياسة التصفيات، وغير ذلك. في اعتبارات جهاز الأمن العامّ، وكما عبّر عنها رئيسه الأسبق، يورام كوهين في مقابلة لبرنامج "عوفداه" مع إيلانا ديان في الواحد والثلاثين من الشهر الماضي، فإن أيّ نتيجة أقلّ من مائة بالمائة نجاح، تعتبر فشلا وإخفاقا. ونصَح رئيس الشاباك الحالي بالاعتراف علنا بالإخفاق كمقدّمة لمعالجته.

إنّ المشهد الليليّ مساء الخميس، 7 نيسان/ أبريل 2022 وتداخُل الأدوار وتعميق الإرباك الذي بثّته شاشات التلفزة بين قوات الأمن، بما فيها نخبة الأركان العامّة، مع هرولة المراسلين الصحافيين، ومع حَمَلة السلاح الذين استجابوا لنداء بينيت: "هذا أوان حمَلَة السلاح المرخّص". هذا المشهد هو حالة إخفاق وفشل للمنظومة، وكذلك هزيمة معنويّة على المستوى الشعبيّ. كما أنه لن ينقشع قريبا، بل قد يتحوّل إلى حالة دائمة تقوم فيها قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيليّ بدور الميليشيات. إنه بثّ مباشر لحالة تخبُّط وتعثُّر غير مسبوقة، كادت الناس تتمايل فيها يُمنةً ويُسرةً أمام الشاشات، وهي تشاهد "الأكشن" الذي لا يتقنه أيّ فيلم أكشن فيه اصطيادٌ للسراب.

في المقابل، إن المؤسسة الحاكمة لا تستطيع أن تسلّم بهذه الحالة المعنويّة المتردية وفاقدة الاتجاه لجمهورها. وما ينتُج عن مثل هذه الحالات، هو عدّة مظاهر، منها الدعوات للانتقام وبالذات من فلسطينيي الداخل، وكذلك اعتداءات دمويّة وأعمال "لينش"، وقد تشمل اعتداءات على المصلّين في الأقصى وأماكن التعبّد، وهناك من يدعو لذلك علنا، وليس مستبعدا السعي إلى اقتحام مخيّم جنين حتى ولو عمليّة اجتياح محدودة، في مسعى لتسديد ضربة للكتائب المقاوِمة، بما فيها "كتائب شهداء الأقصى"، والتي تعود إلى المشهد بشكل جليّ في مواجهة الاحتلال، وهذا مؤشر أيضا لحالة احتقان فلسطينيّ داخليّ لم يعُد محتمَلا.

برغم الاختلاف في ما بينها، ودون الدخول بالمواقف في هذا السياق، فإنّ العمليات في المدن الإسرائيليّة في الشهر الأخير، وبخاصّة في بني براك وتل أبيب؛ تشير إلى تصدُّع جوهريّ في الرّدع الإسرائيليّ، وهو نتاج تصدّع في الحالة السياسيّة والإستراتيجيّة الإسرائيليّة، بعد أن اعتقدت المنظومة الصهيونيّة الحاكمة، بأنها قد أطبقت على قضيّة فلسطين، وأنهتها بلقاءات قياداتها السياسية أو الأمنيّة في دبيّ، والمنامة، والدوحة، وشرم الشيخ، وأخيرا في مستعمَرة "سديه بوكير". إنّ الحالة الفلسطينيّة تنعكس أيضا على الحالة العربيّة، والسلوك العربيّ الرسميّ، وتفرض ذاتها على جدول أعمال النظام العربيّ، وتعيق الإستراتيجيّات الإسرائيليّة القائمة على الاستعاضة عن قضيّة فلسطين، بالاستعمار الاقتصاديّ الذي يطلقون عليه "سلاما اقتصاديا" مهينا.

إنّ عودة قضيّة فلسطين إلى الواجهة تعني سياسيًّا، تصدُّعًا أعمقَ في الائتلاف الصهيونيّ الحاكم، وهو عامل حاسم في طبيعة الاصطفافات السياسيّة، والتي بات جدول أعمالها، هو التفتيش الفاشيّ عن "الرجل القويّ" الذي يستعيد الأمن والأمان، مقابل بينيت الذي فقد مصداقيّته بين جمهور مصوّتيه الاستيطانيّ والصهيونيّة الدينيّة، وبات يبثّ الضعف والإخفاق أمام المجتمع الإسرائيليّ.

في حال سقط الائتلاف الحاكم، ستبقى من بنييت بعد غروبه عن الساحة السياسيّة، دعوته الهستيريّة المذكورة إلى حَمَلة السلاح بامتشاقه، والتي لن يدفع ثمنها بالدم سوى الفلسطينيّ في اللد ويافا والقدس والنقب والضفة الغربية وغزة، وفي كل مكان.

أما إستراتيجيًّا، فإن عقيدة اللا - حلّ السائدة والمهيمِنة على الذهنيّة الإسرائيليّة، قد تدفع كما يحدث منذ الانتفاضة الثانية إلى خطوات إسرائيليّة أُحاديّة الجانب، على شاكلة اجتياح، أو انفصال إضافيّ أحاديّ الجانب، ناهيك عن كون الجدار الاحتلاليّ الإستراتيجيّ قد تآكل مفعوله، ولن يكون ممكنا الإغلاق المطبِق على جماهير الشعب الفلسطينيّ في الضفة الغربيّة.

لسنا بصدد مرحلة سهلة، بل من الطبيعيّ توقّع التصعيد سواء بالعدوان الشامل أم بسياسة التصفيات، أو في مجال أدوات الرقابة والضبط، وتضييق الخناق على الفلسطينيين أينما كانوا. لكن لا مخرج من المعادلة القائمة، ومن أنه لا مكان لتجاوُز قضيّة فلسطين، بل في نهاية المطاف، إنّ الإخفاق الإسرائيليّ هو إستراتيجيّ سياسيّ، وما الأمنيّ إلا نتيجة له.