اختلاف سياسة إسرائيل الخارجية: حصاد مئة يوم

اختلاف سياسة إسرائيل الخارجية: حصاد مئة يوم

اختلاف سياسة إسرائيل الخارجية: حصاد مئة يوم

 

بقلم: يائير لبيد*

اعتمدت السياسة الخارجية الإسرائيلية، طوال عقد من الزمن، على فكرة قاتمة مفادها أن التحالفات الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها هي التي تستند إلى مصالح اقتصادية أو أمنية. لا مكان في السياسة الخارجية للحوار القائم على قيم مشتركة، أو صداقة بين شعبين. وبدلاً من سياسة خارجية نشطة وإيجابية، انتهجت حكومة نتنياهو سياسة تشكيك وتشاؤم.

في الساحة الداخلية أدت النظرة التشاؤمية إلى وصول المجتمع الإسرائيلي إلى حافة التفكك. وفي الساحة الدولية دفعت هذه النظرة الحكومات السابقة إلى إهمال المهمة الحيوية، أي بناء تحالفات تعتمد على قيم مشتركة. جرى هذا تحديداً في وقت شهد أزمات عالمية – الأزمة المصرفية، وأزمة الإسلام الراديكالي، وأزمة المناخ، وأزمة «كورونا» - دفعت المجتمع الدولي إلى أن يدرك أنه لم يعد هناك مشكلات محلية، وكل المشكلات صغيرة وكبيرة تتحول في النهاية إلى مشكلات عالمية.
التشاؤم السياسي خطأ. ذريعة «كلهم معادون للسامية ولا فائدة»، كانت ببساطة حجة حكومة مشغولة بأمور أُخرى، وتوقفت عن بذل الجهد في الساحة الدولية. لا يمكن أن نبقى أعواماً طويلة من دون وزير خارجية (أو مع وزير ليست لديه صلاحيات)، وإغلاق ممثليات، وتقليص ميزانيات الوزارة مرة تلو الأُخرى، وإبقاء عشرات السفارات شاغرة، وتجاهُل التغيّر العميق الذي طرأ على المجتمع الأميركي والمجتمع الأوروبي، ثم نتباكى قائلين إنهم لا يفهموننا.

نتائج الإهمال والتشاؤم كانت سريعة وقاسية. منذ خطاب نتنياهو الفاشل في الكونغرس في سنة 2015 خسرت إسرائيل قدرتها على تجنيد العالم في الموضوع الإيراني. حجم العداء للسامية هو الأسوأ منذ عقود. وتأييد إسرائيل وسط الشباب الأميركي ووسط الناخبين الديمقراطيين هو الأدنى على الإطلاق. والمنظمات الدولية توافق على قرارات معادية لإسرائيل كأنها مسألة روتينية.
برز الضرر خصوصاً في العلاقات مع الولايات المتحدة. لا أحد يختلف على أن أكبر رصيد سياسي وأمني لإسرائيل هو العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. لا تعتمد هذه العلاقات على مصالح، بل على قيم. الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، مثل الآباء المؤسسين للصهيونية، كانوا يتطلعون إلى مجتمع مثالي قائم على الحريات. لقد نظر الأميركيون إلينا ورأوا فينا شيئاً منهم. وبدلاً من تطوير هذه العلاقة، تسببنا في الأعوام الأخيرة بحدوث شرخ مستمر مع الحزب الديمقراطي، الذي يضم نحو نصف السكان الأميركيين، ومع جزء مهم من الجالية اليهودية في العالم.
هذا التدهور يمكن لجمه. الطلاب الأميركيون والأوروبيون في الجامعات لا يتظاهرون ضدنا «بسبب مصالح»، بل بسبب إخفاق دعائي وقيَمي. جزء من أعضاء الكونغرس يصوت ضدنا؛ لأن أحداً لم يشرح له الجانب الثاني من القصة. يمكننا مواصلة الغضب، لكن لدينا فكرة أفضل: تغيير الوضع. وهذا سيستغرق وقتاً ويتطلب جهداً، لكن بقيادة سياسة خارجية حديثة ومستقلة يمكن أن نحسّن مكانة إسرائيل في العالم بصورة جذرية.

خلال الوقت القصير الذي مر تبين أن في الإمكان العمل بصورة مختلفة. مثلاً تعاملت إسرائيل مع موضوع «السلام البارد» مع مصر والأردن كأنه أمر محتوم. الحكومة الجديدة التي تألفت في حزيران الماضي قررت تحدي هذه النظرة. خلال 3 أشهر من العمل المكثف، أصبح السلام حاراً. وُقّعت اتفاقات تجارة وعمل جديدة، وعُقدت اجتماعات علنية بين الزعامات، وتحسّن التعاون بصورة كبيرة. جرى كل ذلك من دون أن تضطر إسرائيل إلى التنازل عن أي مصلحة حيوية.
نعم، لدينا أعداء كثر في العالم، لكن تجدر الإشارة إلى أن لدينا أيضاً أصدقاء، وهم أقوياء وكثر. وفي مواجهة الأضرار والتصدعات التي حدثت في الأعوام الأخيرة هناك أيضاً تقليد طويل وثابت من التأييد لإسرائيل. جو بايدن، فلاديمير بوتين، أنغيلا ميركل، إيمانويل ماكرون، نارندا مودي، سكوت موريسون، الملك عبد الله الثاني، عبد الفتاح السيسي، محمد بن زايد، الملك محمد السادس - هذه فقط قائمة جزئية لأصدقاء إسرائيل المعروفين. الاتحاد الأوروبي على وشك أن يوقّع معنا اتفاقاً اقتصادياً – تكنولوجياً واسع النطاق: «أوروفيزيون 2020-2027». في دول شرق آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، لا يوجد عداء للسامية تاريخياً، وللعلاقة معهما إمكانية اقتصادية هائلة. قائمة الاستثمارات الصينية في إسرائيل لم نشهد مثلها قط.

إذا نظرنا غرباً فنرى أن الوضع تحسن كثيراً. تجدد «الحلف الهيليني» مع اليونان وقبرص، والذي نريد أن نوسعه كي يشمل دول البلقان وأصدقاءنا الجدد في الخليج. ومع المغرب نبني علاقات لم نكن نحلم بها قط. ولقد جرى تعيين إسرائيل، مؤخراً، دولة مراقبة في الاتحاد الأفريقي، على الرغم من غضب جزء من الدول في الجامعة العربية. وزيرة الخارجية الكاريزماتية في السنغال قالت لي في حديث طويل وبفرح: "اسمحوا لنا العمل من أجلكم في أفريقيا".

هناك موضوعات إسرائيل غير مستعدة للتنازل فيها، ولو تسبب هذا بضرر حقيقي في علاقاتها الخارجية. يجب علينا أن نبذل كل شيء- بما في ذلك مواجهات علنية مع أصدقائنا- كي نكشف الطبيعة الحقيقية للنظام الإيراني ومشاريعه للحصول على سلاح نووي. لن نتردد في شن عملية ضد غزة إذا واصلت «حماس» إطلاق الصواريخ على مواطنينا. لكن كل هذا لا يلغي حاجتنا إلى بناء منظومة قوية من التحالفات والصداقات.

يجب علينا بناء مظلة سياسية تحمي رؤوسنا، وتحمّل المسؤولية، وتطوير أفكار، واتخاذ قرارات تستند إلى حقائق (حتى لو كانت غير جميلة)، وأن نفهم بعمق كيف يرانا الآخرون، وأن نكون مستعدين لتقبّل النقد، ونتخلى عن الشفقة على أنفسنا، ونحترم حقوق الإنسان- كل هذا ليس عبئاً سياسياً بل هو قيم نؤمن بها. سياسة خارجية متفائلة ومنفتحة على الحوار ليست ثمناً ندفعه، بل هي رصيد نبنيه لأنفسنا إزاء العالم.

عن "هآرتس"

رئيس الوزراء البديل ووزير خارجية إسرائيل ، رئيس حزب يوجد مستقبل  ( وسط علماني)  .

 

اشارات