المحررة أبو كميل تحتضن ورودها بعد سنوات ست..ومماطلة

المحررة أبو كميل تحتضن ورودها بعد سنوات ست..ومماطلة

خبر24- كتب: أمجد التميمي

ربما لم تكن السنوات الست التي قضتها الأسيرة نسرين أبو كميل (46 عاما)، في غياهب سجون الاحتلال الإسرائيلي، أكثر قسوة عليها من اللحظات التي تلت تحررها. فمنذ مغادرتها باب المعتقل أخذت أبو كميل تعد الساعات لا بل تعد الدقائق والثواني للحظة المنتظرة، لحظة الحقيقة التي تعانق فيها فلذات أكبادها..تحتضنهم..تشتم رائحتهم.. تفرغ في أجسادهم كل عاطفة الأمومة المؤجلة.

لكن صلف جلاد ما سلك يوما عوالم الإنسانية ودروبها، جلاد أبى إلا أن يضع فوق قنطار الألم قناطير أخرى من التلذذ بعذابات الآخرين، جلاد أقام جداراً عازلاً أمام أبو كميل، حال بينها وبين اللحظة المنتظرة، إمعانا في قهرها، وكأن السنوات الست التي مضت من عمرها شوقا وقهرا غير كافية.

في الجهة المقابلة هناك، كان هناك أبناء يتحرقون شوقا للقاء والدتهم التي ما خبروها إلا عبر صورها الفوتوغرافية، لكن هيهات بين الصورة والأصل، فالصورة باردة لا دفء فيها ولا حضن، ولا يد تربت على الرأس والكتف.

كما الأم، كما أولادها، لقد طالت فترة الانتظار، والثواني سنين، والمسافات خلف مد البصر، لكن الأمل باللقاء باقً، أبناء سبعة ووالدهم، يستعدون بطاقات الورود وجبال من الشوق، ينتظرون هناك عند معبر بيت حانون "إيرز" يمنون النفس بلقاء دافئ، فالكل يحاول أن يتسلح بالصبر، لحظات انتظار رهيبة حاولوا جميعا تخفيف وطأتها من خلال التواصل للمرة الأولى عبر الهواتف المحمولة، إلى أن تحين اللحظة الموعودة..الترقب، والقلق هما سيدا الموقف..

ساعات وساعات، والأم لم تصل بعد، الوالدة لم تأت، لم تطل عليهم من خلف الجبل،  فهناك احتلال يماطل ويتلذذ بالمماطلة، على الجانب الآخر كانت الأم هي الأخرى تقضي ساعات الانتظار للعبور إلى مبتغاها، لكن دون جدوى، ترجع الأم  إلى مدينة الخليل لتبيت ليلتها هناك، هذا إذا زار النوم عينيها، وإذا غادر الشوق جفنيها.

الأيام القليلة التالية مرت على الأم كأنها قرون من الزمن، ثلاثة أيام من المماطلة الاحتلالية، 

أقسى من سنوات ست الاعتقال، تحررت نسرين في صباح يوم العشرين من تشرين الأول/اكتوبر، أصغر أولادها طفلة كانت تبلغ حينها ثمانية شهور.

أخيرا، عبرت الأم إلى غزة والتقت أبناءها، احتضنتهم، وقبلتهم وتأملت ملامحهم.

تقول أبو كميل وهي تحتضن أطفالها: "هذه اللحظات لا يمكن وصفها فأنا اليوم في بيتي وبين أبنائي فراس وفارس وأميرة وملك ودالية وأحمد الذين لم ألتقيهم خلال ست سنوات، كنت فقط أسمع صوتهم من خلال المذياع، فوجئت بهذا الاستقبال الشعبي الكبير، وبحجم الفرح لدى عائلتي بتحرري  ووجودي بينهم".

وتضيف "حتى اللحظة أنا غير مصدقة بأني في بيتي.. هذا حلم، الحياة داخل السجن صعبة جدا خاصة للأسيرات اللواتي يتعرضن للعديد من الانتهاكات كالتفتيش المستمر وتعامل إدارة السجون بكل عنجهية معهن، الأسرى داخل السجن يناشدون العالم أن يتم اطلاق سراحهم  ونيل الحرية".

أميرة، الابنة الكبرى للأسيرة أبو كميل، كانت في الحادية عشرة من عمرها عند اعتقال والدتها، تقول أميرة: "هذا اليوم أجمل أيام حياتي كوني تمكنت من معانقة والدتي بعد ست سنوات من الحرمان، رغم أن الاحتلال وضع قيودا في أول أيام إطلاق سراحها، لكن هذا لم ينل من عزيمتنا وإصرارنا على رؤية والدتي، متمنية الحرية لجميع الأسرى الذين يقبعون في سجون الاحتلال، خلال سنوات أسر والدتي، كنت متحملة عناء الاهتمام بإخوتي الأطفال كوني أكبرهم".

رأت الأسيرة أبو كميل أخيرا لحظة التنوير، ستخلد إلى النوم محتضنة أولادها، ربما سيغمضون أعينهم ويذهبون في إغفاءة مع ابتسامة..لكنها ستبقى مستيقظة لتشبع ناظريها برؤية أبنائها..لتشبع شوقها لهم..

يذكر أن قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلت الأسيرة أبو كميل في الخامس عشر من شهر تشرين الأول/اكتوبر عام ٢٠١٥، بعد اعتقالها أثناء توجهها لزيارة في حيفا.