خالتي الأسيرة شذى عودة

خالتي الأسيرة شذى عودة

بقلم: فادي ابو بكر- كاتب وباحث فلسطيني

اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر يوم 7 تموز/ يوليو 2021 بيت خالتي الستينيّة  شذى عودة "أم محمد"، الواقع في منطقة عين مصباح في مدينة رام الله والبيرة، وتم اعتقالها واقتيادها إلى جهة مجهولة، إضافة إلى مصادرة مركبة المؤسسة التي تعمل بها،حيث تشغل خالتي منصب مدير عام اتحاد لجان العمل الصحي الذي يوفّر خدمات صحية لقرابة 400 ألف مواطن فلسطيني.

وقد علمنا لاحقاً، من خلال زيارة المحامين لها، أنه قد تم نقلها الى معسكر للجيش قرب حاجز عطارة الاحتلالي شمال مدينة رام الله، ومن ثم الى "معتقل عوفر" غرب رام الله للتحقيق معها، حيث تم نقلها مكبّلة اليدين والقدمين في سيارة نقل الأسرى "البوسطة" برفقة ليان ناصر وهي طالبة تدرس في جامعة بيرزيت في العشرينات من عمرها تم اعتقالها بنفس الليلة، ليبدأ بعدها مشوار الاعتقال والتحقيق المرير مع خالتي، ولتنقل بعدها الى "معبار هشارون" جنوب الخط الممتد بين طولكرم ونتانيا في منتصف ليلة 8 تموز/ يوليو 2021، وهو عبارة عن قسم خاص بمعتقل هشارون، أشبه بالعزل،مخصّص للتنكيل بالأسيرات اللواتي يُعتقلن حديثاً، حيث يُحتجزن فيه لأيام وأسابيع، في ظروف مأساوية وقاسية.

ووفقاً لإفادة خالتي للمحامين، فإنها قد عاشت ظروفا سيئة للغاية في ذلك القسم قبل نقلها إلى معتقل "الدامون" بعد عشرين يوماً، تضاعفت خلال هذه الفترة معاناتها، جرّاء ارتفاع درجات الحرارة وانعدام التهوية، وعدم قدرتها على النوم إضافة إلى وجود كاميرات مراقبة داخل الغرفة، وعدم السماح بإدخال ملابس لها، وهذا يتنافى مع خصوصية المعتقلة وظروف احتجازها. كما فقدت قرابة 10 كغم من وزنها، علماً بأنها تعاني بالأصل من عدة أمراض مزمنة منها السكري والكوليسترول وارتفاع ضغط الدم والقولون العصبي. وسبق أن خضعت في السابق لعدة عمليات جراحية منها قسطرة القلب، وجراحة في العينين، ما يجعل الظروف الاعتقالية السائدة خطراً على صحّتها وحياتها.

حتى تاريخ كتابة هذه المقالة لم يتم الحكم على خالتي، وعُرضت على أربعة جلسات محاكمة خلال أقل من عشرين يوماً، وتجدر الإشارة إلى أنه مع كل جلسة محاكمة، كان يتم نقل خالتي عبر ما تسمى "البوسطة"، بحيث تستغرق عملية النقل من مكان احتجازها إلى محكمة عوفر العسكرية قرابة سبع ساعات، ما بين توقف هنا وهناك، والبوسطة هي حافلة تحمل على متنها زنزانة متنقّلة تحوي مقاعد حديدية، لا نوافذ لها، شديدة الحرارة من الداخل، ويبقى الأسير المتواجد داخلها مكبّل اليدين والقدمين، والرحلة فيها هي رحلة عذاب بكل ما تعنيه الكلمة معنى، ويصفها الأسرى بأنها "قطعة من الموت"، ولكم أن تتخيلوا أثر هذه الرحلة على إمرأة ستينيّة تعاني من أمراض عدة.

بتاريخ 27 تموز/ يوليو 2021، تم نقل خالتي إلى معتقل الدامون المخصّص للأسيرات الفلسطينيات، وبلغ عددهنّ حتى تاريخ كتابة هذا المقال أربعين أسيرة يواجهن ظروفاً صعبة للغاية، خصوصاً وأن هذا المعتقل شُيّد على زمن الانتداب البريطاني على سفوح جبل الكرمل بمدينة حيفا كمستودع للدخان، ولا تتوفر فيه أدنى شروط الحياة الآدمية.

لقد كان لعيد الأضحى المبارك 2021 مذاقاً مرّاً، وكانت زيارتي لبيت خالتي دون أن أجدها هناك لمعايدتها قاسية على القلب والروح والعقل، خصوصاً ونحن كعائلتها وذويها وأصدقائها نسمع عن محاولات "شيرلوك هولمز" الإسرائيلي بإلصاق تهم لها، مثل تمويل الإرهاب وغيرها من التهم السخيفة، بعد ساعات تحقيق طويلة ( أكثر من 25 ساعة).

و نذّكر هنا بأن اعتقال خالتي ليس اعتقالاً شخصياً، وإنما يأتي في إطار سياسة ممنهجة تستهدف المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، وبالأخص الإنسانية منها، حيث سبق اعتقال خالتي بشهر واحد فقط اقتحام قوات الاحتلال لمقر الإدارة العامة لمؤسسة لجان العمل الصحي في مدينة البيرة بالضفة الغربية، وتسليم قرار عسكري يقضي بإغلاقه مدة 6 أشهر. كما قام الاحتلال بنفس يوم اعتقال خالتي باقتحام مقر “لجان العمل الزراعي” وإغلاقه، وبتاريخ 29 تموز/ أيلول 2021 قامت قواته باقتحام مقر الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في البيرة.

ولم يقتصر الأمر ضمن حدود مناطق الضفة الغربية فحسب، حيث تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيل اعتقال المهندس محمد خليل الحلبي، مدير مؤسسة الرؤية العالمية الأمريكية (World Vision) في قطاع غزة منذ العام 2018 ، عُرض خلال هذه الأعوام أكثر من 165 مرة على محاكم الاحتلال، دون أن يُحكم حتى اللحظة. وما زالت سلطات الاحتلال تحتجز الحلبي بحجة تحويل مبالغ مالية من المؤسسة لصالح فصائل فلسطينية،  دون وجود أي دليل مادي أو ثبوت تهمة قانونية ضده .وتُعتبر مؤسسة الرؤية العالمية مؤسسة إنسانية خيرية أمريكية، وكانت طبيعة عمل الحلبي فيها إنسانية بامتياز. حيث كان يساعد العائلات الفقيرة، والمرضى ( خصوصاً مرضى السرطان)،  ويقدم الدعم النفسي للأطفال بعد الحرب، ويساعد المزارعين والصيادين المتضررين.

وينسحب الوضع نفسه على خالتي شذى عودة، التي تتبوأ إضافة إلى منصبها كمدير عام لإتحاد لجان العمل الصحي، منصب رئيسة شبكة المنظمات الاهلية الفلسطينية، ومنسقة منظمة صحة الشعوب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (وهي منظمة تضم 70 دولة).

" بالي طويل ونفسي طويل" ...قالتها خالتي على هامش جلسة المحاكمة الأولى، لتركن منظومة الاحتلال وأهدافه في الزاوية، وهي تؤكد بقولها أنه وبالرغم من عيشها تحت اضطرار القيد، ستبقى فسحة الحرية  تلازمها، ولن يتمكنوا من انتزاعها منها.

تدفع خالتي شذى اليوم ضريبة الانتماء للإنسانية والعمل من أجل الصحة كحق مكفول للجميع،  لتستحق بجدارة وسام الشرف الإنساني، في الوقت الذي يُشيّع فيه جثمان الضمير الدولي، وسط هتافات غاضبة: "يا للعار .. يا للعار".

إطمئني يا خالتي .. إطمئني يا غاليتي ..إطمئني يا أمي الثانية.. سيبكون يوماً على الحقوق والمبادىء الإنسانية التي لم يحافظوا عليها، وسيتجرعون من نفس الكأس وسيندمون يوم لا ينفع معه الندم، فحقوق الإنسان كونية لا تتجزأ.

ولعلّ فضيحة "بيغاسوس" الإسرائيلية بالتجسّس على هواتف أكثر من 50 ألف صحفي وسياسي وناشط حقوقي من مختلف دول العالم، والتي ما زال دويها يتردّد في كل القارات، هي أولى قطرات هذا الغيث، وتُذكّرنا بالمثل الإنجليزي القائل: "لا تبكِ على اللبن المسكوب".

لا تبكِ أيها المجتمع الدولي على اللبن المسكوب، واعمل بجدّ من أجل لجم هذا الاحتلال الذي لا تشكّل سياساته خطرا على الفلسطينيين وحدهم بل على الإنسانية جمعاء.."إسجنوه .. قّيدوه" وإلا لن تنج أنظمتكم ومنظماتكم التي بنيتموها على أكتاف مبادىء وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إلى خالتي الحبيبة وكافة أسيراتنا وأسرانا خلف قضبان الاحتلال ...لا يسعنا سوى أن نقول لكم: شعبكم لن يقبل بضياع التضحيات.. وستبقى قضيتكم على قمة الأولويات .. هذا هو العهد.. وهذا هو رهان حرية فلسطيننا المستحق مهما طالت الأزمان..

بالنا طويل وصبرنا طويل ومصير الاحتلال الحتمي هو الرحيل ...

 

اشارات