لم ينتصروا ولن ينتصروا

لم ينتصروا ولن ينتصروا

كتب: هشام نفاع

رواية واحدة ومعنيان

يسود الانطباع أن العدوان الإسرائيلي المتواصل جاء بعد أن تعنّت جهاز الاحتلال على تصعيد اعتداءاته الأخيرة في القدس، الشيخ جراح والحرم القدسي خصوصاً، وهو ما تدخلت المقاومة بسببه. هذه الرواية تحمل معنيين مختلفين وفقا للّسان الذي يحكيها.
من جهة المقاومة في غزة، تشكّل هذه الرواية تأكيداً على أن البادئ هو حكومة العدوان، وقد بدأت في القدس، فجاء إنذار المقاومة، ونفذته قبل أن يطلق الاحتلال طائراته المقاتلة (أمريكية الصنع) وأوصلنا حيث نحن الآن.
أما من جهة حكومة وجيش العدوان فالرواية تقول بالضبط ما قالته الروايات السابقة في كل عدوان: نحن ندافع ونردّ على الصواريخ التي تطلقها حماس والجهاد الإسلامي على المدنيين الإسرائيليين. التمسك بقناع الضحيّة لا تغيّره حقائق مثل أن من يرتديه هو من يقصف غزة بالطائرات، هو من يحاصرها، هو من احتلها عام 1967، وهو من هجّر معظم أهلها الحاليين من بلداتهم اليها عام 1948، وأضيف لهم أولادهم وأحفادهم.

لكن ما قاله الناطق الرسمي بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي هداي زيلبرمان، في مقابلة مع موقع ynet مساء يوم الاثنين العاشر من أيار الجاري، يضيف معلومات وازنة تغيّر من "بساطة" الرواية. فقد أعلن أن قائد أركان جيش الاحتلال أفيف كوخافي كان قد أوصى قبل أسبوعين من ذلك المساء بـ"العمل بحزم" ضد حماس، لكن المستوى السياسي لم يقبل التوصية.

هل الأمر ليس متعلقاً إذًا بالتصعيد في القدس، لأن التوصية بشن العدوان جاءت تقريبا في 24 نيسان الماضي؟

المسألة مركبة.

الخطط مكتوبة بالتفصيل

ففي السادس والعشرين من نيسان كانت الصورة كالتالي:

تجمع مقدسيون خارج باب العامود بالقدس الشرقية محتفلين بعد إزالة الحواجز التي أقامتها شرطة الاحتلال هناك. وفيما هم يهللون ويرددون الأهازيج، ويلوح بعضهم بالأعلام الفلسطينية، انقضت الشرطة عليهم وسط الحشد لمصادرة الأعلام.

قبل ذلك بأيام، في 21 أيار، أصيب 100 مقدسي برصاص وعنف الشرطة، واعتقل أكثر من 50 متظاهرا، بعد مسيرة لمئات عناصر اليمين الاستيطاني الذين ساروا من وسط القدس باتجاه باب العامود وهم يهتفون: "الموت للعرب". الهتاف الذي لا يقلق ملفّقي الزعيق الذي لم نسمعه في حياتنا: "إذبح اليهود". أنا لم ألتق أي إنسان سمع هذا الزعيق بأذنيه مباشرة.

تراجُع الشرطة عن اغلاق باب العامود لم يكن بسبب استعادة الرشد، وكالات الانباء نقلت أنه جاء "بعد مناشدات دولية بالتزام الهدوء وسط مخاوف باحتمال خروج الاشتباكات عن السيطرة في وضوء وضع القدس كقضية خلافية رئيسية في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني"، "رويترز".

قبلها بيوم، 20 نيسان، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي في وقت متأخر عن إطلاق صاروخ "لكنه انفجر في غزة قبل بلوغ هدفه". مَن يطلقون صواريخ وصلت القدس وتل أبيب عجزوا ويا للعجب هذه المرة. ضربوا صاروخا وقع في غزة، ولم يطلقوا سواه، ولهذا أعلن جيش الاحتلال عن تقييد منطقة الصيد في قطاع غزة من 15 ميلا بحريا إلى تسعة أميال فقط.

جيش الاحتلال أوصى ببدء العدوان في هذه الظروف، حين كانت الشرطة واليمين الفاشي يتعاونان معًا في رفع درجة التوتر في القدس وضخ المزيد من بخار الوقود في هوائها. كان الانفجار مسألة وقت فقط. الناطق بلسان الجيش قال أيضاً في المقابلة المشار اليها أعلاه: "الجيش لديه خطط تمت كتابتها، تم تخطيطها في السنة الأخيرة وفقا للظروف ووفقا لما رأيناه لدى العدو. هذه خطط واسعة – هناك خطط محدودة لضربة قاسية ولكن محدودة من حيث الزمن والحيّز، وهناك خطط متوسطة، لعدة أيام هدفها توجيه ضربة قاسية لا تشمل معركة شاملة، ولدينا خطط لمعركة واسعة هدفها واضح".

خطط مفصلة تمت كتابتها في السنة الأخيرة، تتطرّق لأي نطاق تدمير يُقرّر، ولها تسميات وتعريفات وتصنيفات، ولكن إسرائيل الرسمية مصرّة أنها انجرّت جراً لهذه المعركة. كالعادة، ضحيّة دائمة.

كتائب بن غفير- نتنياهو

أمام هذا مثير للانتباه والتفكير السؤال: هل خطط وأشعل بنيامين نتنياهو فعلاً هذا العدوان خدمةً لمصالحه السياسية السلطوية؟ يصعب تخيّل الأمور على أنها تسير بهذه البساطة: رجل وحيد يصدر أوامره بشن عدوان والأجهزة المتشعّبة المعنية تستجيب. الأمور لا تسير بهذا الشكل، ليست كبسة زر، لكنها تسير بهذا الاتجاه لو وجد المعنيّ جنوداً غير رسميين. خصوصاً أن رئيس حكومة سابق ووزيراً سابقاً حذّرا من هذا السيناريو مسبقاً، أواخر شهر نيسان، ولاحقاً خلال العدوان نفسه. المسألة بالتالي ليست أفكاراً جامحة لمحبي نظريات المؤامرة.

فالوزير السابق رئيس حزب "يش عتيد" يئير لبيد كتب عبر حسابه على "تويتر": "لو كان لدينا حكومة، لما تداخلت الاعتبارات "الأمنية" في المصالح السياسية. ولم يكن لأحد أن يسمح للمختل إيتمار بن غفير بتأجيج الاوضاع في القدس ومن ثم في كل الدولة، لا أحد يسأل نفسه لماذا يندلع الحريق دائما في الوقت المناسب تماما لرئيس الحكومة".

وقبل أكثر من شهر ونصف الشهر، توقع لبيد هذا العدوان أو ما يشبهه وأبلغ مخاوفه لبنيامين غانتس، وزير الحرب، قائلا ما يلي: "هناك شيء واحد تحتاج إلى التفكير فيه. إذا شعر نتنياهو أن الحكومة تنزلق بين أصابعه، فسيحاول التسبب بحدث أمني في غزة أو الحدود الشمالية، وإذا كان يعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة لإنقاذه، فلن يتردد للحظة" (هآرتس).

رئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت كتب في مقال بتاريخ 30 نيسان (معاريف) أن "أحداث الأيام الأخيرة ليست حدثاً عارضاً مصيره الاختفاء بسرعة. نحن على حافة عنف قد يتطور الى درجة إرهاب في الشوارع". وتابع أن "المصدر الأساسي للعنف المستشري ليس الجانب الفلسطيني في المقام الأول، رغم أن حماس قد تنتهز الفرصة وقد تصعّد العنف بسب نقاشات داخلية متعلقة بالانتخابات (الفلسطينية). لقد آن الأوان لوضع الأمور في سياقها الصحيح. فمنذ فترة طويلة جدا يدور نشاط منظم ومنهجي لجهات يهودية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، هدفه المساس بالفلسطينيين والتسبب بأضرار اقتصادية فادحة لهم".

وهو يشير الى احراق كروم الزيتون والاعتداءات الجسدية التي ينفذها "شباب التلال"، التي تهدف الى طرد الفلسطينيين وتهجيرهم من المواقع التي يعيشون فيها. وهنا يقول: "حلقات اليمين المتطرف بدأت تشم رائحة الهزيمة السياسية التي قد تهدد مشروعها، بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة وعجز نتنياهو عن تشكيل حكومة". ويستنتج: "لهذا قرروا القيام بخطوات استفزازية في القدس، بهدف التسبب بصدام عنيف. منظمة "لهافا" هي كتيبة تابعة لإيتمار بن غفير وشركائه. هذه منظمة تعمل بوضوح على اشعال حريق والتسبب بردود عنيفة تنتهي بموجة إرهاب جديدة. وهذا ما يحتاجه نتنياهو لخلق مشهد طوارئ متطرف، يتطلب إقامة حكومة قومية برئاسته مع جميع عناصر اليمين".

ويختتم: "نتنياهو لن يشعل عود الثقاب، هذا سيفعله عناصر "لهافا"، وقد أعطاهم إياه. نتنياهو يريد أزمة، ومن المفضل أن تكون في القدس. وفي غياب شرطة حازمة مستعدة لوقف عناصر "لهافا" بكل قوة وبدون تردد – فسينجحون في إشعال الحريق (...) وإذا لم تندلع النيران في القدس فسوف يشعلها على الحدود الشمالية أو بصدام مع حماس في الجنوب. حين يقترب عالمه من الانهيار – نتنياهو يحاول تقويض عالمنا علينا". هذا الكلام الشبيه بالوصف الدقيق لما حصل منذ التاسع من الشهر الجاري وحتى الآن، نُشر في 30 نيسان.

أوحانا وسموتريتش على حق

ما فات أولمرت هو أن عصابات اليمين مثل لهافا ولفاميليا ستجتاح اللد والرملة وعكا وحيفا ويافا. هناك أيضًا ستجد شرطة بعيدة عن الحزم ومترددة، وهناك شبهات بأنها متواطئة مع الفاشيين، تركتهم يعيثون خرابا وينشرون رعبًا. والآن حين يتحدث قائد هذه الشرطة العام كوبي شبتاي عن "إرهابيين في الطرفين" يشن وزير الأمن الداخلي أمير أوحانا (الذي عيّنه) هجوما عليه، ومثله الفاشي الاستيطاني العنصري بتسلئيل سموتريتش. فقد فزعا من "التناظر" الذي يعنيه تصريح شبتاي كما قالا. برأيهما لا يمكن افتراض تناظر. "كانت اعتداءات قليلة على عرب" زعم أوحانا، لكن أن تصل للقول جانبين؟! تفوّه مصدوماً بنفاق. أما سموتريتش فراح يصف هجوما عربيا مفتوحاً كاسحاً على اليهود بوحي من فترة المانيا النازية. صحيح، فلا حول ولا قوة ولا شرطة ولا مخابرات ولا جيش ولا دبابات ولا طائرات ولا صواريخ ولا ديمونا بأيدي الأغلبية في هذه البلاد.

لماذا الخوف من القول "جانبين"؟ لماذا الانفلات كملسوعين لسماع ذكر عصابات الفاشست الإرهابيين؟ الجواب: لأن العالم كله لا يقتنع بأن اليهود هنا هم الملاحقون المقموعون، والفلسطينيون هم الجلاوزة. من المستحيل إقناع أحد بهذا. العالم ينظر ويرى: من الذي يحتل؟ من الذي يحاصر؟ من هو الأقوى عسكريا؟ من هو الأغنى؟ من الذي يسيطر على حياة وحركة ومقدرات وأراضي الآخر؟ من يملك القدرة على اغلاق الحواجز والمعابر والسماء والحدود والكهرباء والماء؟ هذه مسائل لا تخبئها تفاهات تنضح بها تلك الأشكال القميئة. لهذا، امام هذا الإحباط وهذا العجز رغم القوة العسكرية الهائلة، تطلق تلك الشخوص نباحها وعواءها عاليا، حتى على قائد شرطة أطلق ايدي عصابات الاستيطان خدمةً لهم في القدس وفي اللد وفي حيفا ويافا، ومضطر للقول "هناك ارهابيون من الطرفين".
كل هذا طبعا ولن يُقال بعد أن أوحانا وسموتريتش (ومثلهم الناطق الرسمي بلسان عصابات الفاشيين، عميت سيغال، القناة 12) على حق في شأن ضرورة عدم القول: هناك جانبان نظيران.

فلا مساواة ولا تناظر وتكاد لا تكون مقارنة بين ممارسات من يحتل ويفتك ويسحق وينهب ويتغطرس ويهجّر وبين أفعال من يصمد ويقاوم ويدافع عن حقه وكرامته. طبعا ليس هناك تناظر. بالتأكيد لا يمكن مساواة المجرم بالضحية – حتى حين تؤدي ردة فعلها الى إصابة ضحايا مدنيين إسرائيليين مأسوف عليهم. المسؤولية الكاملة على من يمسك بالخيوط.

المتّهم: اللدّاوي المسجّى

بالتزامن، هناك شيء واحد أبشع من التحريض بصيغة الضحويّة المطلقة القائلة: "العرب هجموا علينا". وهو أن يكون المحرّضون مقتنعين فعلا بما يقولون. سياسيون، وصحفيون وعلى رأسهم رئيس دولة إسرائيل شخصيًا، أطلقوا صيحات التفجّع من هجوم عصابات العرب على اليهود في اللد وعكا وغيرهما. لم يهزّ هذه الادعاءات حقيقة أن القتيل في اللد كان عربياً برصاص يهودي. لكن الحلّ كان بسيطا: اليهودي القاتل المسكين دافع عن نفسه من هذا العربي المجرم المقتول.

في الحرب تفسد العقول وتتعفّن الأخلاق. هذا اللدّاوي المسجّى في كفنه على تابوته مُدان بجريمة التسبب في مقتله نفسه، ومُطلق النار يُغسل بدموع التباكي على ما حصل له.

رئيس الدولة رئوبين ريفلين لا يطّلع بنفسه، شبه بالتأكيد، على الفيديوهات التي توثق الاعتداءات. حاشيته ربما عرضت عليه توثيقات حقيقية لما قام به عرب قلائل. حرق كنيس مثلا، وهذا فعل مخطوء ومرفوض ومُدان وقبيح. لكن هل رأى عصابات الفاشيين اليهود توقف السيارات في الرملة وتقرر تهشيمها على أصحابها، أو التمني لها سفرة سالمة، وفقا لهوية السائق. هذا مجرّد مثال. هل رأى مارش الفاشيين في حيفا. هل رأى ما يذكّر بليالي البلّور ضد العرب؟

رئيس الحكومة الذي يجسّد المثال عن الأناني المهوّس الذي لا يتردد في حرق غابة كي يشعل سيجارة، بنيامين نتنياهو الذي يحاول إبقاء مقعد سلطته وحُكمه باقيا حتى ولو بالحفاظ عليه كقارب طافٍ على سيل من الدماء الفلسطينية والإسرائيلية، صرّح بتلك الدرجة المذهلة من السُّم العنصري حين ذهب الى عكا: "الشغب في المدن المختلطة يعيد الينا مشاهد من ماضي شعبنا، ولا يمكننا قبول هذا". قصد أن ما يجري يذكره بمراحل تعرّض فيها اليهود فعلا لجرائم الفاشيين والنازيين الأوروبيين. هذا الفاشي الوضيع الذي في رقبته قتل عشرات الأطفال الغزّيين بقذائف الطائرات الحربية والمدفعية، يرتدي بكل هدوء وبرود صوف الحمل الضحية حتى دون أن يشعر بحاجة لأن يستتر خلف أية كواليس.

"يقتلعون الموت من ارضهم"

عدد من الصحفيين كانوا شديدي الوضوح في عدوانيّتهم: "لا مفر من ضربات مؤلمة لغزة حتى بثمن اصابة مدنيين" قال روعي شارون في قناة "كان". "يجب أن ننقض على أم أمهاتكم كي تفهموا من هو السيّد هنا"، قال بن كسبيت في راديو 103، وتابع زميله ينون مغال: "سنذكّركم بما فعلناه لكم قبل 70 عامًا". يقصد النكبة لا أقل. كل هذا بالبث المباشر. وسيل من المنشورات والتصريحات التي يجدر بالكهاني بن غفير جمعها في ملف وقراءتها عليهم حين سيخاطبونه بتأفف كاذب وتذمّر زائف على عنصريته الفظة، بعد حين. بن غفير بريء من العنصريّة الحصريّة.

تفهم خوف المواطن اليهودي. تفهم تماما. الناس يخافون حين تندلع بشاعات الحروب. كل الناس. قد يُشلّ رشدهم وتدخل يقظتهم في غيبوبة. أفهم وأحترم حتى لو بقيت مستهجنا وغاضبا عليه: كيف لا تفهم علاقات السبب والنتيجة البسيطة حد سطوع الشمس فيما يجري منذ عشرات السنين؟

بل مستعد للتفكير حتى في منفلتين شبان يهود تحت الـ20 عاما يزعقون الموت للعرب، من باب أنهم ضحايا مضلّلين محرَّضين.
أما الحثالات الحقيرة المتسلطة السلطوية السليطة في سدّة الحكم وفي ستوديوهات الاعلام الطاغي، فلا يمكن أن تعقّب عليها سوى بشعور عارم طاغٍ من الاشمئزاز والغثيان. هؤلاء قتَلة.

لكنك تهدأ وتقول: هؤلاء أيضًا يفترسهم الرعب. رعب أفظع. رعب وجودي عميق سيظل يخنق كل من يدرك في قرارة نفسه أنه لا يملك أي حق. يحتل ويقتل ويدمر ويبطش ويدعي أنه ضحية تدافع عن نفسها، وفي داخله يتردد بلا توقّف صدى كلمة واحدة: كاذب، كاذب. شخوص لا عامودًا فقريًا يلملم كيان رواية أحقيّتها وضحويّتها، فتنقضّ في نوبة عنف تحريضًا وقصفًا وقتلاً كلما رأت وللمرة الألف أن الفلسطينيين لا يموتون، جسدًا وكيانًا ومطلبًا وحلمًا ورواية، بل "يقتلعون الموت من ارضهم" والاستعباد من روحهم.

هذه المرة أيضًا قتلوا وسحقوا ودمروا وتغطرسوا وكذبوا، لكن الأكيد انهم لم ينتصروا، ولن ينتصروا

عن"الاتحاد" الحيفاوية